توصيف ومواجهة المشكلة الاقتصادية من منظور الاقتصادي الإسلامي

 

 توصيف

 ومواجهة المشكلة الاقتصادية

من منظور الاقتصادي الإسلامي

مقدمــة :-

يمكن ملاحظة أن الهدف العام من صياغة وتطبيق أي نظام اقتصادي إنما يتمثل مبدئياً في توصيف وكيفية مواجهة المشاكل الاقتصادية التي تعيشها المجتمعات الإنسانية على المستوي المحلي من جانب، وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية الدولية من جانب آخر، سواء ما كان قائماً بالفعل من هذه المشاكل أو المتوقع ظهوره أو تفاقمه منها في الأجل القصير على الأقل.

فعلى ضوء الخلفية المذهبية (عقيدة النظام) لأي من تلك الأنظمة والتي تمثل أساس بناءه من حيث المبادئ والقواعد العامة، وكذلك الإطار العام لما يمكن أن يتشكل من سياسات لمواجهة المشاكل الاقتصادية القائمة أو المتوقعة، والتي تنعكس في نظرة الأنظمة الاقتصادية تجاه توصيف هذه المشاكل، ومن ثم صياغة سياسات واقتراح آليات عمل هذه الأنظمة تجاه حل المشاكل القائمة أو المتوقعة.

وقد أثبتت التجارب البشرية في المجالات الاقتصادية مدى تأثير مذهبية النظم الاقتصادية التي تم صياغتها وتطبيقها على مستوى الحضارة الأوروبية الحديثة على توصيف طبيعة المشاكل الاقتصادية ومن ثم صياغة السياسات والآليات والمبادئ التي شكلت النظم الاقتصادية الوضعية بأطوارها المختلفة كما هو الحال في النظم الرأسمالية التجارية أو الصناعية أو الحرة، وأخيراً النظم الرأسمالية الموجهة، وكذلك النظم الاقتصادية الشيوعية أو الاشتراكية الماركسية وأيضاً نظم اشتراكية السوق.

كما أن التاريخ الاقتصادي للمجتمعات الإنسانية الضاربة في القدم نسبياً يوضح أن الأمم السابقة على الأمة الإسلامية والتي تلقت أحد أو بعض الرسالات السماوية التي تبين لها حقائق هذا الكون وخالقه وخالق من فيه من إنس وجن وملائكة، وما سواهم من مخلوقات في السماويات والأرض .. لم تخلو من مبادئ وسياسات عامة لتوجيه السلوك الاقتصادي للأفراد والمجتمعات وذلك وفق عقيدة صحيحة تمثل الخلفية الحاسمة في توصيف مشاكل تلك الأمم وكيفية مواجهتها وكذلك الأمر في شئون كافة حياتها بشكل عام، ومنها الشئون الاقتصادية أو التجارية مثلما تضمنته رسالة قوم سيدنا شعيب بشأن سياسات ضبط النشاط الاقتصادي على مستوى المكاييل والموازين، وسياسات مواجهة قضايا اقتصادية واجتماعية مثل قضية الرِّبا وغيرها من القضايا في المجتمعات اليهودية والنصرانية.

وكذلك الحال بالنسبة للأمة الإسلامية يمكن ملاحظة أن الدين الإسلامي ومن خلال مصدريه من قرآن وسنة قد تضمن العقيدة والشريعة معاً وذلك على مستوى التصور والتوصيف لكل ما هو كائن وذو علاقة بحياة الأفراد والمجتمعات من شئون الحياة ومنها الشئون الاقتصادية، وهذا في الجانب العقائدي.

ثم كانت الشريعة بمبادئها وقواعدها العامة وسياساتها الكلية تمثل الثوابت لأنظمة تسيير شئون الحياة جميعها وفق إطار عقائدي وتشريعي لا يمكن أن يؤتى ثماره إلا على قدر تحقيق التكامل والتناسق العملي بين كل من العقيدة والشريعة معا.

وعلى ضوء هذه المقدمة يمكن تناول موضوع توصيف وكيفية مواجهة المشاكل الاقتصادية المعاصرة في إطار نظام اقتصادي ينضبط بكل من العقيدة والشريعة الإسلامية معاً وذلك على اعتبار أن عقيدة النظام الاقتصادي هنا إنما هي عقيدة الإسلام كله في  جوانب الحياة المختلفة ومنها الجانب الاقتصادي.

كما أن سياسات وآليات هذا النظام لا يمكن أن تخرج عن ثوابت (المبادئ والقواعد العامة) الشريعة الإسلامية التي تتسم بالصلاحية المطلقة تجاه تحقيق متطلبات الحياة البشرية في كافة أطوارها حتى قيام الساعة، وذلك مرهون بالجهود العلمية المتواصلة لعلماء المسلمين في محاولات صياغة السياسات واقتراح الآليات المعاصرة لمواجهة قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعاصرة على مستوى شئونهم الداخلية، وكذلك علاقاتهم الدولية مع المجتمعات الأخرى.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

توصيف

المشكلة الاقتصادية من منظور الاقتصادي الإسلامي

تمهيـد :

لاشك أن توصيف وتفسير طبيعة المشاكل الاقتصادية وأسباب نشأتها وكذلك أساليب وكيفية مواجهة هذه المشاكل أن ما يتأسس بشكل أو بآخر على مذهبية النظم الاقتصادية وذلك على مستوى كل من التوصيف والتفسير لطبيعة وأسباب نشأة تلك المشاكل.

كما أن مواجهة المشاكل الاقتصادية إنما تخضع للأساليب والسياسات التي يتم صياغتها في ظل الأركان الرئيسية للنظم الاقتصادية التي يعتمدها المجتمع تشريعاً وتطبيقاً في حاضره ومستقبله في الأجل القصير على الأقل .

وقد عرفت النظم الاقتصادية الوضعية (رأسمالية، اشتراكية، وما بينهما من نظم مختلطة) توصيفاً لطبيعة علم الاقتصاد والمشكلة الاقتصادية، يعتمد على النظرة العقلانية لما هو كائن بالفعل من أوضاع مادية بالدرجة الأولى، والتي هي تكريس لأسباب تاريخية وسلوكيات بشرية تقوم على مذهبية جوهرية تتمثل في أن علم الاقتصاد وبالتالي موضوع(المشكلة الاقتصادية) هو علم اجتماعي يركز على دراسة وتحليل ما هو واقع من مشاكل اقتصادية محورها وجود حاجات بشرية غير محدودة (متعددة ومتزايدة عبر الزمن) وذلك في اتجاه موارد اقتصادية محدودة، ولا يمكن أن تتناسب معها كماً ونوعاً في الأجل القصير على الأقل.

فعلى مذهبية الفكر الاقتصادي الوضعي ونظمه الاقتصادية المنبثقة عنه تاريخياً وتحديداً مع انتهاء العصور الإقطاعية في أوروبا بداية القرن السادس عشر الميلادي وظهور الرأسمالية بأشكالها التجارية والصناعية خلال القرنين السابع والثامن عشر، وحتى صياغة النظم المعاصرة من رأسمالية واشتراكية ومختلطة خلال القرنين الـ 19، 20، يمكن ملاحظة أن المشاكل الاقتصادية دائما ما يكون وراءها ذلك التفسير المحوري، وهو ندرة الموارد الاقتصادية تجاه تعدد  وتنامي الحاجات البشرية، ومن هنا كان الربط المذهبي في الفكر الوضعي بين المشكلة الاقتصادية، وظهور ما يعرف بعلم الاقتصاد.

ويكفي دليلاً على ذلك أن تعريف علم الاقتصاد لا يخرج عن كونه توصيف وتفسير لطبيعة وأسباب نشأة المشكلة الاقتصادية حسب أفضل تعريف لعلم الاقتصاد في الأدبيات الاقتصادية وهو تعريف ” روبنيز ” الذي يقول : أن علم الاقتصاد هو العلم الذي يدرس سلوك الإنسان باعتباره (أي هذا السلوك) يمثل علاقة(في الجانب الاقتصادي) بين حاجات إنسانية متعددة وموارد مادية نادرة نسبياً، وأن هذه الموارد لا يمكن بحال من الأحوال أن تكفي كل الاحتياجات البشرية لأفراد المجتمع، وإلا ما كان هناك مشكلة اقتصادية، ومن ثم فلا حاجة لعلم الاقتصاد أصلاً.

طبيعة وتوصيف المشكلة الاقتصادية من المنظور الإسلامي:

بداية يمكن القول أن توصيف المشكلة الاقتصادية التي يمكن أن تواجه فرد أو مجتمع، أو حتى عالم ما من المجتمعات البشرية ذات العلاقات الاقتصادية المتبادلة، لا يمكن أن يخرج عن العقيدة الإسلامية الصحيحة (من منظور الاقتصاد الإسلامي) وذلك على اعتبار أن هذه العقيدة تفسر كافة حالات وأطوار الإنسان والأمم وما في ذلك من نشاطات إنسانية مختلفة مستجدة أو متطورة بشكل دائم.

ومن هنا فإن العقيدة الإسلامية تشمل فيما تشمله عقيدة الإسلام في الشئون الاقتصادية كلها، ويمكن من خلال تفسير وتوصيف طبيعة ما يمكن أن يواجه الفرد أو المجتمع من مشاكل اقتصادية وذلك  كنتيجة لسلوكيات اقتصادية غير شرعية في الأساس، لأن السلوكيات الاقتصادية الشرعية إنما تكون حلولاً للمشاكل الاقتصادية ولا يمكن بحال أن تكون أسباباً لها.

وعلى ضوء ذلك يمكن رصد أهم عناصر توصيف المشكلة الاقتصادية من المنظور الاقتصادي الإسلامي على النحو التالي:

 

 

 

 

عناصر أو محاور توصيف المشكلة الاقتصادية من منظور الاقتصاد الإسلامي :-

يمكن حصر أهم تلك العناصر في : –

1 –  غياب أو عدم بيان حقيقة العقيدة الاقتصادية للنظام الاقتصادي : ففي مجتمع المسلمين وهو أول المجتمعات متفهم ومحاولة صياغة وتطبيق مبادئ وآليات عمل نظامه الاقتصادي، ولا بد أن يكون ذلك في إطار عقيدة إسلامية صحيحة وواضحة تجعل الفرد والمؤسسات الخاصة والحكومية قادرة على حشد وتحريك الجهود والموارد الاقتصادية في تكامل وتناسق مع عقيدة الإسلام الاقتصادية من جانب ولا تخرج عن العقيدة الإسلامية الشاملة للجوانب الأخرى من حياة المسلمين كالشعائر الإسلامية والأخلاق الإسلامية ومعايير أو موازين المعاملات الاجتماعية والثقافية وغيرها.

ومن هنا فإن توصيف المشكلة الاقتصادية من المنظور الإسلامي يمكن استعراضه في الإطار العقائدي مبدئياً وعلى أساس أن هذا التوصيف لا يخرج عن التصور النظري الثابت لطبيعة نشأة المشكلة الاقتصادية من حيث السبب والنتيجة وكيفية المواجهة.

فعندما يواجه الفرد أو المجتمع مشكلة اقتصادية ما كنقص المعروض من سلعة ما في أسواق السلع عن الطلب عليها وهو ما يؤدي إلى ارتفاع في سعرها ويمكن أن يأخذ في التفاقم مع زيادة الفجوة بين الطلب والعرض لأي سبب من الأسباب ذات العلاقة، فهنا يمكن توصيف هذه المشكلة عقائدياً في إطار النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الآتية :

* آيات وأحاديث لتحقيق العدل في الأسواق:

قال تعالى: (أَوْفُواْ الْكَيْلَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ) [الشعراء 181- 183]، وقوله تعالى : (وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) [البقرة 188]، وقوله تعالى : (وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ * الّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين 1- 3] .

وقال r : ” لا يبيع بعضكم على بيع بعض ” أخرجه مسلم، وقوله r : ” لا تلقوا الجلب فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار” أخرجه مسلم، وقوله r : ” البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ” أخرجه مسلم، وقال r : ” لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة” أخرجه مسلم، وغيرها من التوجيهات النبوية التي من شأنها إقامة العدل وتفعيل الأخلاق الحسنة من أمانة  وعدم الظلم بما يكفل تحقيق مصالح طرفي السوق بعدالة.

 

* آيات وأحاديث تربط بين الإيمان والأرزاق في علاقة طردية واضحة :

قال تعالى : (وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَىَ آمَنُواْ وَاتّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مّنَ السّمَآءِ وَالأرْضِ) [الأعراف 96]، وقوله تعالى :  (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مّطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل112]، وقوله تعالى : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللّهِ ) [الجمعة10] .

ومن الأحاديث النبوية : قوله r : ” طلب كسب الحلال فريضة”، وقوله r : ” من فقه الرجل أن يصلح معيشته” أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، وقوله r : ” نعم المال الصالح للرجل الصالح” أخرجه أحمد في مسنده، وقوله r : ” لا بأس بالغني لمن اتقى” أخرجه الحاكم في المستدرك.

* آيات وأحاديث تضبط عقيدة المسلم تجاه الجانب الاقتصادي عموماً:

قال تعالى : (وَلَنَبْلُوَنّكُمْ بِشَيْءٍ مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثّمَرَاتِ وَبَشّرِ الصّابِرِينَ) [البقرة – 155]، وقوله تعالى : (وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرْضِ وَلَـَكِن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ مّا يَشَآءُ إِنّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ) [الشورى 27]، وقوله تعالى : (وَالأرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَيْءٍ مّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مّعْلُومٍ) [الحجر– 19-21]، وقوله تعالى : قال تعالى: (وَاللّهُ فَضّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىَ بَعْضٍ فِي الْرّزْقِ) [النحل – 71] .

ومن الأحاديث النبوية: قوله r : ” لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا يقبل عملاً إلا بنية” أخرجه السيوطي، وقوله r في الفتى القوي الساعي إلى رزقه: ” .. إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله ، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان” أخرجه السيوطي في الجامع الصغير.

* آيات وأحاديث تحض على الاقتصاد والاعتدال في الإنفاق الاستهلاكي والسلوك الاقتصادي عموماً:

قال تعالى : (وَالّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان67]، وقوله تعالى :(إِنّ الْمُبَذّرِينَ كَانُوَاْ إِخْوَانَ الشّيَاطِينِ وَكَانَ الشّيْطَانُ لِرَبّهِ كَفُوراً) [الإسراء 27]، وقوله تعالى :  (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً) [البقرة 143]، وقوله تعالى :(وَهُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ ) [الأنعام 165] .

ومن الأحاديث النبوية: قوله r ” إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو” أخرجه أحمد في مسنده، وقوله r : ” تعس عبد الدينار وعبد الدرهم” أخرجه البخاري ومسلم، وقوله r : ” ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك فهكذا وهكذا ..” أخرجه مسلم .

* آيات وأحاديث تنهى عن السلوك الاقتصادي الخاطئ كالاحتكار والفساد وغيرها:

قال تعالى :(وَلاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مّنْ أَمْوَالِ النّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة188]، وقال تعالى : (وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [التوبة34]، وقوله تعالى: (كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَآءِ مِنكُمْ ) [الحشر7] .

قال r : ” من غشنا فليس منا”، وقال r :” من غش فليس مني” أخرجه مسلم في الإيمان(102)، وقال r :” البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما” البخاري (2110)، وقال r :” لا يحتكر إلا خاطئ” صحيح بن ماجه، وقوله r :” لا ضرر ولا ضرار” أخرجه السيوطي، وقوله r : ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الأعضاء بالسهر والحمى” صحيح البخاري ومسلم.

والنصوص سالفة الذكر تعطي توجيهات مباشرة وغير مباشرة لضبط السلوك الاقتصادي لتحقيق أهداف كافة أفراد المجتمع بعدالة.

* آيات وأحاديث تحض على الدور الاجتماعي والتكاملي للدولة وأفراد المجتمع :

قال تعالى :(مّآ أَفَآءَ اللّهُ عَلَىَ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىَ فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَآءِ مِنكُمْ …) [الحشر7]، وقوله تعالى : (مّن ذَا الّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً ) [البقرة245]، وقوله تعالى :(… وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر9]، وقوله تعالى : (وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ * لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ) [المعارج 24، 25].

وقوله تعالى :(وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً) [الإنسان8، 9]، وقوله تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) [الإنسان8]، وقوله تعالى : (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا ) [التوبة103]، وقال تعالى :(إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة60].

ومن الأحاديث النبوية : قوله r : ” الناس شركان في ثلاث الماء والكلأ والنار” أخرجه أحمد في مسنده، وقوله r : ” من كان عنده فضل زاد فيعد به على من لا زاد له” أخرجه مسلم، وقوله r: ” من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن أنظر معسراً كان له في كل يوم صدقة” صحيح ابن ماجه، وغيرها الكثير من الأحاديث والتوجيهات النبوية التي تحض على أخلاقيات التكافل المالي وأهميته الاجتماعية والاقتصادية.

2 –  غياب الفهم الصحيح لحقيقة ودور الملكية في ضبط السلوك الاقتصادي لأفراد المجتمع:

فمن المعروف ظاهراً (منطقياً) أن الموارد الاقتصادية المملوكة للأفراد والمجتمع أحد أهم عناصر حل أو تعقيد المشاكل الاقتصادية بشكل عام، وفي ظل غياب أو عدم وضوح الرؤية لدى الفرد والمجتمع بشأن حقيقة ودور ملكية ما هو متاح من موارد اقتصادية يمكن أن يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في ظهور أو تفاقم المشاكل الاقتصادية، وهو ما يمكن أن ينتفي أيضاً في ظل الوضوح والفهم الصحيح لحقيقة الملكية من المنظور الإسلامي ويمكن معرفة أهم معالم هذه الملكية ودورها في المجتمع الاقتصادي في الآتي:

  مشروعية التملك في حق الفرد وفي حق المجتمع في ذات الوقت وذلك لتحقيق كل من الحاجات القطرية للفرد والمجتمع وخاصة في جانب غريزة حب المال، ومن ثم تحصيله وتملكه بالطرق والأساليب المشروعة وفي إطار من المنافسة الشريفة على مستوى كافة الأسواق الاقتصادية(سوق العمل، السلع، المال، الخدمات …)، ولكننا نجد تجاه ذلك الحق المشروع نوعان من الفهم وبالتالي السلوك الاقتصادي والاجتماعي وهي:

  النوع الأول : فهم سلوك يغيب عنه حقيقة الملكية من حيث النشأة والتكوين وبالتالي كيفية التصرف فيها تجاه المجتمع الاقتصادي والاجتماعي، وذلك عندما يعتقد الفرد أنه وحده وبذاته هو فقط وراء إبداع وتكوين ما يملكه ومن ثم من حقه أن يسلك من السلوكيات ويحدد طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بينه وبين الآخرين من هذا المنطلق فيحتكره عن الآخرين في سوق السلع أو يتعاون مع غيره في إنماء هذه الملكية في سوق العمل أو المال أو الخدمات… وذلك على أن أساس منطق الفردية المطلقة التي لا تحمل أية أهداف اجتماعية برغم أن هذا الفرد لا يعيش منعزلاً اقتصادياً أو اجتماعياً .

ومن نماذج ذلك نجد القصص التاريخية التالية:

  قصة قارون في قوله عزل وجل : (وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللّهُ الدّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىَ عِلْمٍ عِندِيَ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ اللّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُ قُوّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَىَ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ إِنّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ) [القصص 77، 78، 79] .

  وقصة صاحب الجنتين في قوله عزل وجل : قال تعالى: (وَاضْرِبْ لهُمْ مّثَلاً رّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً * كِلْتَا الْجَنّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئاً وَفَجّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزّ نَفَراً) [الكهف 33، 34، 35].

  وفي العصر الحديث للنظم الاقتصادية الرأسمالية كان ذلك الحال يمثل سلوك كافة الأفراد من طبقة الرأسمالية سواء على مستوى مرحلة الرأسمالية التجارية أو الصناعية أوفي ظل تطبيق مبادئ النظام الرأسمالي الحر والقائم على مبادئ كان أهمها الحرية المطلقة وعدم تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية، بجانب فرضية أن مجموع المصالح الفردية تساوي تحقيق المصلحة العامة كما هو قائم في العلوم الرياضية.

ولكن التجربة أثبتت تراكم السلوك الفردي الخاطئ وتكثيف المصالح الفردية في إطار من السياسات الاحتكارية، وقد كانت النتيجة الجماعية هي أزمة كساد عم أوروبا الغربية صاحبة النظم الرأسمالية الحرة خلال الفترة من 1929 – 1933 والتي أشارت إلى أن دافع تكريس الملكية والثروات في أيدي طبقة محدودة هي مجموعة الرأسماليين على حساب طبقة العمال، كان السبب الجوهري في حدوث هذه الأزمة، الأمر الذي فرض إدخال تعديلات جذرية لضبط السلوك الفردي والجماعي (الدولة) تجاه الأنشطة الاقتصادية على صعيد كافة الأسواق لحل أكبر مشكلة اقتصادية واجهت الإنسانية عبر تاريخها وحتى الآن .

  النوع الثاني : فهم وسلوك ينطلق من حقيقة الملكية ودورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك على اعتبار أن الفرد هو جزء من المجتمع الذي يعيش فيه حياته الاجتماعية والاقتصادية، وأن هذه الحياة والكون من حول ذلك يقوم على سنن الهيبة وقوانين تحكم ما في هذا الكون أو هذه الحياة وما فيهما من عوالم أخرى بجانب عالم الإنسان، الأمر الذي يجعل الفرد مدفوع نحو اختيار العلاقات والسلوكيات الصحية تجاه القضايا المختلفة ومنها قضية المال في كيفية تملكه وكيفية تعاونه مع الآخرين من حوله بما يكفل تحقيق المصالح المتبادلة بين الفرد ومجتمعه والعكس.

    ومن نماذج ذلك ما ورد أيضاً من قصص في القرآن الكريم منها:

قصة سيدنا سليمان عليه السلام في قول الله عز وجل: (قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الْجِنّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مّقَامِكَ وَإِنّي عَلَيْهِ لَقَوِيّ أَمِينٌ * قَالَ الّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـَذَا مِن فَضْلِ رَبّي لِيَبْلُوَنِيَ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِيَ أَمْ تَكُونُ مِنَ الّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ) [النمل39، 40، 41]، وكذلك قصة العبد المؤمن من آل فرعون كما في قوله تعالى : (يَقَوْمِ إِنّمَا هَـَذِهِ الْحَيَاةُ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنّ الاَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَـرَارِ* مَنْ عَمِـلَ سَـيّئَةً فَلاَ يُجْزَىَ إِلاّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىَ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) [غافر39، 40].

  وفي عصرنا الحديث وجدنا أن النظم الاقتصادية التي اختبرت تاريخياً كما هو الحال بالنسبة للنظام الرأسمالي الذي تم توجيهه بعد أزمة الكساد العالمي ليكون أقربه إلى تحقيق التوازن الاقتصادي بالتبادل مع التوازن الاجتماعي، وذلك من خلال دور مباشر (تشريعات منع الاحتكار)، (وتشريعات العمل) استهدف تحقيق المصالح المتبادلة في كل من سوق السلع والخدمات وسوق العمل، وكذلك الدور غير المباشر لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتوظيف المرتفع للموارد الاقتصادية من خلال مجموعة من السياسات المالية والنقدية والتجارية التي يمكن أن تساهم في تفكيك وعدم عودة مشكلة الكساد العالمي مرة أخرى.

ومع ذلك فقد ظلت هناك مشاكل الدورات الاقتصادية المتتابعة (ركود، تضخم) صفة ملازمة لذلك النظام، وسوف تستمر مادام هناك غياب لفهم حقيقة الملكية ودورها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وذلك على نحو ما أشرنا إليه في القصص القرآني سالف الذكر وما ستكمله السطور التالية من استعراض حقيقة ملكية الاستخلاف .

طبيعة ملكية الاستخلاف من المنظور الإسلامي:

  يمكن القول أن ملكية الاستخلاف هي العقيدة الصحيحة لنشأة الملكية والتصرف فيها على مستوى كل من الفرد والمجموعة والدولة، ويمكن استيضاح حقيقة عقيدة ملكية الاستخلاف على النحو التالي:

  بداية يجب التنويه أن ملكية الاستخلاف لا يمكن أن يعتقدها ويمارسها إلا من آمن بخالق هذه الكون، وهذه الحياة وما بث فيهما من دواب منها الإنسان.. فالفرد أو المجموعة أو الدولة عندما يؤمن بأن ما في الأرض من ظاهر وباطن وما حولها من نعم أو موارد  نافعة هي هبة من الله تعالى وليست هبة من الطبيعة على نحو ما هو متعارف عليه في النظم الوضعية من رأسمالية أو اشتراكية.

وذلك الإيمان يجعل الفرد والمجتمع يمارس نشاطه تجاه تكوين والتصرف في الموارد الاقتصادية التي تتاح له وفق ما شرعه الله تعالى في هذا الشأن من أساليب تكوين لهذه الموارد أو أهداف يجب تحقيقها  فردياً واجتماعياً من وراء استخدامها وذلك على اعتبار أن الله تعالى هو الواهب وهو الخالق لها من حيث النشأة والوجود المبدئي ومن ثم فهو مالك الملك(المالك الحق لكل ذلك) وأن الفرد والمجتمع إنما هم مستخلفون وأمناء على ما مكنهم الله فيه.

والنصوص القرآنية التالية يمكن من خلالها تفهم معنى ملكية الاستخلاف :-

  قال الله عز وجل : (لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثّرَىَ) [سورة طه : آية 6]، قوله تعالى :(اللّهُ خَالِقُ كُـلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [سورة الزمر:آية 62]، قوله تعالى : (الّذِي لَهُ مُلْكُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلّ شَيْءٍ فَقَدّرَهُ تَقْدِيراً) [سورة الفرقان: آية2]، قوله تعالى : (اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ وَسَخّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخّرَ لَكُمُ الأنْهَارَ * وَسَخّر لَكُمُ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخّرَ لَكُمُ الْلّيْلَ وَالنّهَارَ * وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ) [سورة إبراهيم: الآيات  32، 33، 34].

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى : (أَفَرَأَيْتُم مّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ * لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكّهُونَ * إِنّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَآءَ الّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ) [سورة الواقعة : الآيات 63 – 70]، وقوله تعالى : (وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لّهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لّهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَللّهِ مِيرَاثُ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [سورة آل عمران: آية 180]، وقوله تعالى : (آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمّا جَعَلَكُم مّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) [سورة الحديد: آية 7].

وغير ذلك  الكثير من النصوص القرآنية التي تستعرض حقيقة ملكية الاستخلاف وما ينبغي على الفرد والمجتمع اعتقاده وبالتالي إتباع السلوك الاقتصادي والاجتماعي المشروع، الأمر الذي يمكن من تفادي وقوع المشاكل الاقتصادية وما يرتبط بها من انعكاسات اجتماعية على الفرد والمجتمع، وكذلك إمكانية مواجهتها في حالة وقوعها وذلك بالعودة إلى ما سبق الإشارة إليه من تصحيح كل من عقيد النظام الاقتصادي والفهم الصحيح لحقيقة الملكية ودورها الصحيح في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بدلا من تراكم المشاكل الاقتصادية ووصولاً إلى حالة أزمة الكساد الشاملة والتي شملت كافة الأسواق الاقتصادية على نحو ما سبق ذكره عن أزمة الكساد في أوروبا خلال الفترة من عام 1929 – 1933.

3 –  غياب الضوابط والأخلاقيات الصحيحة والتي تستلزمها كل من كفاءة وعدالة العلاقات على مستوى الأسواق الاقتصادية بصفة عامة وسوق العمــل بصفة خاصة :-

يمكن ملاحظة (وبدون عناء) أن السلوك الاقتصادي للفرد أو المجموعة أو الحكومة في أي دولة من الدول إنما يكون انعكاساً لطبيعة الضوابط والأخلاقيات التي يؤمن بها، والضوابط التي يركن إليها، وهذه الضوابط والأخلاقيات تستند إلى العقيدة السائدة وهذا معلوم من تاريخ الأمم والحضارات الإنسانية بالضرورة.

وكلما كانت تلك الضوابط والأخلاقيات صحيحة في ذاتها ومنسجمة مع باقي أركان عقيدة الفرد والمجتمع، وذلك في شكل متكامل كما هو المفترض مثلاً في حياة المجتمعات الإسلامية، حيث أن العقيدة والشريعة متلازمين، وكما أن جوانب الشريعة في مجالات الحياة المختلفة وخاصة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية تكمل بعضها البعض.

حيث أن غياب أحد جوانب الشريعة في مجال ما وليكن المجال الاقتصادي وحضوره في مجال آخر وليكن في المجال الاجتماعي، فهنا لا يمكن أن تتحقق الأهداف والخاصة بالتناسق والتكافل مع الأهداف العامة (أو الكلية) في ذات الوقت، بل إن النتيجة الحتمية لذلك ستكون وجود الاختلالات أو المشاكل في علاقة الفرد بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالفرد .

وعلى ذلك فالضوابط والأخلاقيات الصحيحة لا يمكن فصلها عن طبيعة العلاقات والسلوكيات الاقتصادية التي يمكن رصدها في الأسواق الاقتصادية المختلفة ففي أسواق السلع والخدمات إذا غابت الضوابط والأخلاقيات التي تأمر بالأمانة والوفاء بالعقود وعدم الغش أو الاحتكار وما إلى ذلك.

وإذا لم يكن هناك من التشريعات واللوائح المعاصرة التي يمكن أن تحمي هذه الأخلاقيات والضوابط ذات الصلة، فإن السلوكيات الاقتصادية الخاطئة مثل الاحتكار أو الغش أو عدم احترام التعاقدات في المواصفات والمواعيد وما إلى ذلك، فلنا أن نتخيل مدى المشاكل التي يمكن أن تواجه دور الأسواق في تحريك الأنشطة الاقتصادية المختلفة، وكم تصبح مؤشرات السوق بعيدة تماماً عن الحقيقة، فالأسعار لا تتسم بالشفافية ولا تعبر عن حقيقة ظروف العرض والطلب للسلع والخدمات المتاحة، ومن ثم يتم اتخاذ قرارات غير صحيحة في جانب الطلب وكذلك في جانب العرض .

ومع استمرار تلك السلوكيات الخاطئة والقرارات المرتبطة بها، تتسع دائرة الاختلال في أسواق السلع والخدمات لتصل عند مرحلة معينة، مثلاً إلى حالة كساد شاملة في هذه الأسواق، الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في الأسباب وإعادة تحليل للسلوكيات الاقتصادية والمبادئ التي كانت سائدة وتعديل النظم وتطبيق سلوكيات إجبارية كفرض تسعيرات جبرية، أو إتباع سياسات خاطئة مثل سياسات تأميم الثروات أو ما إلى ذلك من حلول تتسم بخطأ التشخيص، ومن ثم خطأ السياسات المتخذة لمواجهة المشاكل الاقتصادية في سوق السلع والخدمات هذه والنتيجة حصاد المزيد من المشاكل والاختلالات .

4 –   غياب ضوابط الرشد الاقتصادي الصحيح تجاه استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة على مستوى أساليب الاستهلاك والإنتـاج والتوزيع: –

يمكن القول أن غياب السلوك الاقتصادي الرشيد من المنظور الاقتصادي الإسلامي، (حيث أن الرشد الاقتصادي يختلف من نظام اقتصادي وضعي مقارنة بنظام اقتصادي رباني) هو حجر الزاوية في حدوث المشاكل الاقتصادية بصفة عامة، وهذا الرشد يرتبط بشكل مباشر وفي علاقة مطردة مع الأخلاقيات والمعايير الاقتصادية الشرعية، وذلك على مستوى النظام الاقتصادي الذي يستمد كافة مبادئه وآليات عمله وسياساته من الدين الإسلامي الذي اختاره الله تعالى لعباده وأكمله لهم وأتم عليهم به نعمته عز وجل في الدين والدنيا معاً.

وفي هذه الجزئية نحاول بشيء من التحليل التفصيلي توضيح كيف يمكن أن يتحقق الرشد الاقتصادي الصحيح في كل من السلوك الإنتاجي والتوزيعي والاستهلاكي وذلك على مستوى كل من الفرد أو المشروع الخاص والجماعي (الشركات المساهمة) وكذلك على مستوى الدور الحكومي في هذه الأنشطة .

* الرشد الاقتصادي وسياسة الاستهلاك من منظور الإسلام:

من الملاحظ في الأدبيات الاقتصادية الوضعية والتي يسيطر عليها في الغالب التحليل الجزئي للعلاقة بين اثنين أو أكثر من المتغيرات الاقتصادية مع تحييد المتغيرات الأخرى (متغيرات خارج النموذج محل الدراسة) أنه بشأن الاستهلاك مثلاً يتم الربط بين معدلات الاستهلاك والادخار والدخل من جانب ومضاعف الاستثمار من جانب آخر.

وملخص ذلك أن الاستهلاك يتوقف على الدخل في إطار الميل الحدي المتوسط للإستهلاك، وأن الميل للإستهلاك يؤثر على الميل للإدخار ومن ثم مضاعف الاستثمار مع ثبات العوامل الأخرى مثل سعر الفائدة أو توقعات المستثمرين بشأن الرواج أو الكساد الاقتصادي وغيرها.

ويمكن أن نطلق على هذا التحليل الوضعي أنه تحليل نصف منطقي أو نصف صحيح اقتصادياً مادام هناك تحييد للعوامل الأخرى الموضوعية، ناهيك عن العوامل والأخلاقيات التي يمكن أن تضبط الرشد الاقتصادي السليم كما هو الحال فيما يفرضه المنظور الاقتصادي الإسلامي على ما سوف نرى.

* محور الرشد الاقتصادي الصحيح في الجانب الاستهلاكي:

يمكن القول أن محور الرشد الاقتصادي على المستوى الاستهلاكي من منظور الاقتصاد الإسلامي يتمثل في عدة جوانب من أهمها:

أ – قاعدة الاعتدال أو الوسطية في السلوك الاستهلاكي للفرد أو المجموعة الاستهلاكية (العائلات والتجمعات المختلفة : إفطار جماعي، غداء عمل، احتفالات ….) وقد سبق وأوضحنا النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على ذلك، وتنهي عن مخالفة هذه القاعدة في شئون الحياة كلها ومنها الشأن الاقتصادي عموماً وشئون الإنفاق خصوصاً، وفي ذلك توازن مبدئي مع الموارد الاستهلاكية المتاحة أمام الفرد والمجتمع.

ب – مشروعية النشاط الاستهلاكي وأولوياته:

فالنشاط الاستهلاكي من المفترض فيه أن يكون من أجل تحقيق المنافع أو لإشباع الحاجات الفردية أو الجماعية وكم من السلع والخدمات الاستهلاكية يكون ضررها أكثر من نفعها وكم منها يكون ضاراً ولا نفع فيه وهي معروفة في كل عصر ومصر.

والأدبيات الاقتصادية الوضعية لم نرصد لها اهتماماً بأن تكون المنافع مشروعة كشرط في تعريف المنفعة، أما المنظور الإسلامي فيشترط مشروعية النشاط الاستهلاكي بأن تكون السلع والخدمات محل الاستهلاك مشروعة، ويزيد على ذلك وضع أولويات لهذا النشاط تضمن توفير الضرورات الاستهلاكية يليها الحاجيات ثم التحسينات، وهذا دور مشترك بين الأفراد والدور الحكومي بشكل عام.

ويمكن ملاحظة أن الرشد الاقتصادي هنا في الجانب الاستهلاكي لا يقصد منه حرمان الفرد والمجتمع من تحقيق أعلى مستوى من الرفاهية الاستهلاكية ولكن يقصد منه تنظيم هذا السلوك بما يحقق الأهداف الأخرى للمجتمع وخاصة هدف عمارة الأرض على الوجه الصحيح وسمو النفس البشرية للتمكن من عبادة الله تعالى دون خمول أو إفساد في الأرض أو تبذير يدخلها دائرة الشياطين.

ويكفينا هنا قوله عز وجل: (قُلْ مَنْ حَرّمَ زِينَةَ اللّهِ الّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطّيّبَاتِ مِنَ الرّزْقِ) [سورة: الأعراف – الأية: 32] .

ج – خصوصية الإنفاق الاستهلاكي التكافلي:

من المعروف أن على المسلم وكذلك الدور الحكومي في المجتمع المسلم واجبات تتمثل في بذل أو إنفاق جزء من الدخل لمحاويج وفقراء المجتمع … الخ، بل ومساعدة الدول الإسلامية الأخرى والتي يمكن أن تواجهها ظروف الفقر أو المجاعة .

فالسلوك الاستهلاكي هنا يأخذ في اعتباره هدف التكافل الاجتماعي وهو الأمر الذي يكمل بين الفرد والدولة هدف الأولويات الاستهلاكية من حيث توفير الضروريات والتي ترتبط أساساً ببعض أفراد أو فئات المجتمع والذين يطلق عليهم الفقراء والمساكين والغارمين، وكذلك أبناء السبيل بالإضافة إلى الفئات الأخرى التي يمكن أن يشملهم نظام الزكاة والقرض الحسن وأخلاقيات الإحسان في التشريع الإسلامي العام.

ويكفينا في ذلك التوجيه القرآني في قوله تعالى: (مّثَلُ الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [سورة: البقرة – الأية: 261]، لأن ذلك السلوك التكافلي انعكاسات إيجابية في الدنيا من حيث توسعة الرزق ويمكن العيش، ناهيك عن الأجر في الآخرة.

وكل تلك الجوانب وغيرها الكثير تساهم في تكوين حالة الرشد الاقتصادي الصحيح للأفراد والدولة معاً، حيث يتحقق في إطارها التوازن الاستهلاكي والطبقي مما يعزر استقرار المجتمع والدولة، ولا يمكن أن يكون الجانب الاستهلاكي مصدر من مصادر الاختلال الاجتماعي أو الاقتصادي أو الأمني في الدولة المسلمة حتى وإن كان يعيش فيها أصحاب العقائد والديانات الأخرى، وذلك معروف لأن التشريع الإسلامي قد تضمن في إحدى قواعده العامة أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويكفينا هنا قول الله تعالى: (لاّ يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوَاْ إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ) [سورة: الممتحنة – الأية: 8] .

وعلى ذلك فالميل الوسطي أو المعتدل للإنفاق الاستهلاكي بجانب خصوصية الإنفاق التكافلي في إطار مشروعية النشاط الاستهلاكي عموماً من حيث مادة الاستهلاك وكذلك السلوك الاستهلاكي على مستوى كل من الفرد والجماعة والدولة وخاصة في جانب نظام الأولويات في التشريع الإسلامي العام وما يتعلق هنا بالجوانب الاقتصادية على مستوى الإنفاق الاستهلاكي.

كل ذلك يمثل ضمان وكفاية لتحقيق السلوك الاقتصادي الرشيد تجاه استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة للإستهلاك، وبما يساهم في تحقيق التوازن العام بين الموارد والحاجات الاقتصادية في المجتمع الإسلامي، ومن ثم المساهمة المباشرة في منع أو التخفيف من حدة المشكلة الاقتصادية في شكلها التقليدي والمتعارف عليه في الأدبيات الاقتصادية المعاصرة .

* الرشد الاقتصادي وسياسة الإنتاج من المنظور الإسلامي:

من المسلم به في الأدبيات الاقتصادية أن النشاط الإنتاجي يمثل الجانب المقابل للنشاط الاستهلاكي، وذلك في علاقة تبادلية سواء تم إسناد هذه العلاقة (كما هو الحال في الفكر الاقتصادي الوضعي) إلى قانون ساري في الأسواق الذي تصور أن الإنتاج (العرض) هو الذي يتشكل طبقاً له الاستهلاك(الطلب) وهو التصور الكلاسيكي الذي أثبتت وقائع أزمة الكساد الكبير في أوروبا خطأه وأبدله كيتز ورفاقه بتصور هو الأكثر منطقياً وواقعية، وهو أن الطلب هو الذي يتشكل في إطاره العرض.

وما يعنينا هنا أن هناك علاقة أو هكذا يجب أن تكون هناك علاقة بين النشاط الإنتاجي وسياساته وبين النشاط الاستهلاكي وسياساته، وذلك لأن كلاهما يمثل عنصر رئيسي في ظهور أو اختفاء المشكلة الاقتصادية من حيث علاقة الموارد المتاحة بالحاجات الإنسانية.

وإذا كنا قد استعرضنا طبيعة النشاط الاستهلاكي وسياساته من المنظور الإسلامي في إطار الرشد الاقتصادي الصحيح كهدف لكافة الأنظمة الاقتصادية، فإنه يمكن استعراض كيفية تحقيق الرشد الاقتصادي في جانب النشاط الإنتاجي من المنظور الإسلامي على النحو التالي:

* محور الرشد الاقتصادي الصحيح في الجانب الإنتاجي:

يمكن القول أن الجانب الإنتاجي يستلزم فيما يستلزمه على مستوى التنظيم الاقتصادي للأنشطة والقطاعات الإنتاجية تحديد من يقوم بالنشاط الإنتاجي، هل هو القطاع الخاص والأفراد أو القطاع العام والحكومة أم كلاهما وطبيعة العلاقة التكاملية بين هذا وذاك، وقد تعرفنا من التاريخ الاقتصادي على المبادئ الخاطئة لكل من النظم الرأسمالية الفردية والنظم الاشتراكية الجماعية من حيث كونها لم تبدأ بداية صحيحة فكانت الأزمات وكان التعديل المستمر في المبادئ والأساليب التنظيمية حتى الآن .

أما المنظور الإسلامي للنشاط الإنتاجي فيمكن استيضاحه في النقاط التالية :

أ – تكامل القطاعات المنتجة فردية وخاصة من جانب، وحكومية وعامة من جانب آخر، فكافة الأنشطة الإنتاجية المشروعة يمكن أن يمارسها الأفراد أو المجموعات (شركات مساهمة)، وكذلك يمكن أن يمارسها القطاع العام والحكومي والمعيار هنا ليس من يقوم بهذا النشاط ومن يقوم بذلك ولكن المعيار هو القدرة والكفاءة بحسب متطلبات كل نشاط إنتاجي وذلك في إطار من التوازن بين المصالح الخاصة والمصالح العامة اقتصادياً واجتماعياً.

 مع مراعاة أنه في الظروف الغير عادية (حروب مثلاً أو وقوع كوارث كالمجاعات الشاملة أو ما إلى ذلك) يتم التوفيق بين مصلحة الأفراد ومصلحة المجتمع مع إعطاء الأولوية للمصلحة الأخيرة.

ب – صياغة أولويات مرنة لتخصيص الموارد الاقتصادية تجاه الأنشطة الإنتاجية المختلفة، وهذه النقطة تكمل سياسة الأولويات في النشاط الاستهلاكي وفيها توفيق تخطيطي وواقعي بين المصالح الفردية والجماعية للمجتمع الذي يسوده تنظيم اقتصادي قائم على التشريع الإسلامي، بحيث يقوم نظام الأولويات في النشاط الإنتاجي على قاعدة عامة يمكن بلورتها في الآتي([1]):  

أولا : مناط الاقتصاد الإسلامي هو المصلحة .

ثانيا : التوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في حالة التعارض .

ثالثا : تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة في حالة عدم إمكان التوفيق .

وهذه القاعدة يمكن تفعيلها في كافة الأوضاع الاقتصادية من رواج أو ركود اقتصادي في كافة الأسواق وخاصة أسواق السلع والخدمات، حيث تربط بين أهم نشاطين في دائرة النشاط الاقتصادي عموماً وجوهر نشأة أو علاج المشكلة الاقتصادية بوجه خاص، كما يرتبط بنشاط كلاهما نشاط كل من سوق المال وسوق العمل.

ومن ثم يمكن الاعتماد على هذه القاعدة في ضبط الجانب الإنتاجي من حيث القطاعات القائمة بالأنشطة الإنتاجية من جانب وأولويات تخصيص الموارد المتاحة من جانب آخر وبما يكفل تحقيق الرشد الاقتصادي الصحيح في هذا الجانب.

ج – ضبط علاقات الإنتاج في سوق العمل وسوق المال بقواعد ومبادئ التشريع الإسلامي خاصة الوسطية والعدل وفضائل الأخلاق، بجانب قاعدة عدم خروج أنشطة المنتجات (وسيطة أو نهائية) عن دائرة السلع والخدمات المشروعة فلا تتعدى الحلال الطيب إلى الخبائث بشتى صورها والمعروفة منها قديماً أو حديثاً.

حيث أن النشاط الإنتاجي على مستوى المنتجات لا يعني تحقيق المنافع الحسية أو المادية وفقط كما هو الحال في التحليل الاقتصادي الوضعي، وإنما يعني أن تتحقق منافع مشروعة سواء كانت حسية أو معنوية فقيم الاستهلاك أو الإنتاج في السوق الذي ينظمه التشريع الإسلامي لها خصوصية تتمثل في أن الهدف النهائي من كافة الأنشطة في حياة الإنسان والمجتمع والدولة هو الالتزام بما أحل الله تعالى لعباده من الطيبات والانتهاء عما حرمه الله.

ولم تثبت التجارب البشرية يوماً أن هذا الهدف لا يحقق الرشد الاقتصادي الصحيح أو أنه ضد سعادة الفرد والمجتمع والإنسانية.

* الرشد الاقتصادي وسياسة التوزيع : –

يمكن ملاحظة أن قضية التوزيع لها عناصرها وخصوصيتها في كافة الأنظمة الاقتصادية، كما أن توزيع عوائد الأنشطة الاقتصادية المختلفة يمكن أن يكون إيجابياً تجاه كافة مكونات وقطاعات وأسواق دائرة النشاط الاقتصادي الكلي أو سلبياً بحسب ما تستند إليه سياسة أو أساليب التوزيع لثمار النشاط الاقتصادي.

فالتاريخ الاقتصادي للنظم الرأسمالية والاشتراكية ملئ بالتجارب والأساليب التوزيعية ونتائجها على مستوى كل من سوق العمل وسوق المال، وفي إطار حديثنا عن المشكلة الاقتصادية فإن هذه النظم بسياساتها التوزيعية قد جانبها الصواب في معظم فترات تطبيقها وعلى مدى نحو ثلاثة قرون.

وخير شاهد على ذلك الصراع الطبقي بين العمال والرأسمالية على مستوى النظم الرأسمالية، وضعف الأداء الاقتصادي لعنصري العمل ورأس المال معاً في النظم الاشتراكية، ومازالت الاجتهادات الوضعية تحاول التوصل إلى سياسة صحيحة ومستقرة لتوزيع عوائد عناصر الإنتاج من النشاط الاقتصادي بما يحقق العدالة بين أصحاب هذه العناصر من جانب والكفاءة الاقتصادية بشكل عام من جانب آخر.

وسياسة التوزيع من المنظور الإسلامي لا يغيب عنها مبدئي العدالة والكفاءة مطلقاً لسبب بسيط هو أن كافة التشريعات الاقتصادية في الإسلام تؤسس للعديد من المبادئ والقواعد العامة والثابتة التي  تؤدي في النهاية إلى تحقيق العدالة بين الناس جميعاً وتعطي للكفاءة حقها كاملاً غير منقوص، ويمكن رصد أهم محاور تحقيق الرشد الاقتصادي الصحيح في جانب التوزيع على النحو التالي :

  • وسطية التشريع الاقتصادي الإسلامي تجاه اكتساب المال وإنفاقه وذلك في إطار منهجية الاستخلاف عن الله تعالى فيما أسبغ على الإنسان والإنسانية من نعم ظاهرة وباطنة وجيمعها ذو صلة مباشرة أو غير مباشرة بحياتنا الاقتصادية.
  • خصوصية عنصر العمل في التشريع الاقتصادي الإسلامي على أساس ارتباطه في علاقات الإنتاج والاستهلاك والتوزيع بفضائل الأخلاق التي تم تقريرها في الدين الإسلامي، وهذه الفضائل الأخلاقية هي الضمان الحقيقي لضبط علاقات التوزيع بما يحقق العدالة والكفاءة معاً، فلا وجود للظلم في سوق العمل أو أكل الأموال بالباطل في كافة الأسواق وخاصة سوق المال .
  • خصوصية دور الدولة الإسلامية بشأن السياسة المالية والتي لها دور رئيسي في تحقيق عدالة توزيع الدخل من خلال آلية الزكاة وغيرها من الصدقات بالإضافة إلى الدور الفردي والخاص في هذا الشأن، وهذا كله مع مراعاة الحرية الاقتصادية لدور السوق في عملية توزيع الدخل على أسس تنافسية مشروعة لا يمكن أن تأخذ السلوك الاحتكاري أداة للتأثير على حقوق عنصر العمل لصالح عنصر رأس المال أو غيره من عناصر الإنتاج الأخرى.

وعلى ضوء ما سبق يمكن ملاحظة أن توصيف ومواجهة المشكلة الاقتصادية من منظور الاقتصاد الإسلامي يقوم على خصوصية تتعدى التحليل التقليدي والحديث للمشكلة الاقتصادية في إطار النظريات الوضعية، حيث أن أية مشكلة اقتصادية لا يمكن أن يتم تناولها في إطار مجموعة محدودة من المتغيرات الاقتصادية كالموارد الاقتصادية والحاجات الاقتصادية رغم إمكانية تعدد استخدام هذه الموارد واتساع وتنوع الحاجات الاقتصادية عبر الزمن، هكذا فقط.

ولكن يجب أن ينظر إليها في إطار تحليل شامل لطبيعة حياة الإنسان ودوره الحقيقي وكيفية ضبط علاقاته مع الآخرين على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والعقائدية وغيرها حتى يمكن إعطاء توصيف صحيح لطبيعة المشكلة الاقتصادية وبما يكفل تحديد حلول حقيقية أو جذرية لهذه المشكلة في إطار ثوابت يمكن الرجوع إليها بشكل دائم .


([1])        راجع: د. محمد شوقي الفنجري، ذاتية السياسة الاقتصادية الإسلامية، من مطبوعات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وإدارة الأوقاف، سلسلة قضايا إسلامية، عدد 152، القاهرة 2007، ص38 .

This entry was posted on 5 فبراير 2013. Bookmark the permalink.